فخر الدين الرازي
220
تفسير الرازي
قد أصبحت أم الخيار تدعى * علي ذنباً كله لم أصنع روي ( كله ) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر ، واعلم أن للشيخ عبد القاهر في هذا الباب كلاماً حسناً ، قال : إن المعنى في هذا البيت يتفاوت بسبب النصب والرفع ، وذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب ، وهذا لا ينافي كونه فاعلاً لبعض الذنوب ، فإنه إذا قال : ما فعلت كل الذنوب ، أفاد أنه ما فعل الكل ، ويبقى احتمال أنه فعل البعض ، بل عند من يقول : بأن دليل الخطاب حجة يكون ذلك اعترافاً بأنه فعل بعض الذنوب . أما رواية الرفع ، وهي قوله : كله لم أصنع ، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع ، فيكون معناه أنه ما أتى بشيء من الذنوب البتة ، وغرض الشاعر أن يدعي البراءة عن جميع الذنوب ، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع والنصب ، ومما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى : * ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) * ( القمر : 49 ) فمن قرأ ( كل ) شيء بالنصب ، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر ، ومن قرأ ( كل ) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق الكل ، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقاً له فهو إنما خلقه بقدر ، وقد يكون تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله : * ( والقمر قدرناه ) * ( يس : 39 ) فإنك سواء قرأت * ( والقمر ) * بالرفع أو بالنصب فإن المعنى واحد فكذا في هذه الآية سواء قرأت * ( وكلا وعد الله الحسنى ) * أو قرأت * ( وكل وعد الله الحسنى ) * فإن المعنى واحد غير متفاوت . المسألة الثالثة : تقدير الآية : وكلا وعده الله الحسنى إلا أنه حذف الضمير لظهوره كما في قوله : * ( أهذا الذي بعث الله رسولاً ) * ( الفرقان : 41 ) وكذا قوله : * ( واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ) * ( البقرة : 48 ) ثم قال : * ( والله بما تعملون خبير ) * والمعنى أنه تعالى لما وعد السابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالماً بالجزئيات ، وبجميع المعلومات ، حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين ، إذ لو لم يكن عالماً بهم وبأفعالهم على سبيل التفصيل ، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام ، فلهذا السبب أتبع ذلك الوعد بقوله : * ( والله بما تعملون خبير ) * . ثم قال تعالى : * ( مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا أن رجلاً من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إله محمد حتى افتقر ، فلطمه أبو بكر ، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما أردت بذلك ؟ فقال : ما ملكت نفسي أن لطمته فنزل قوله تعالى : * ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ) * ( آل عمران : 186 ) قال المحققون : اليهودي إنما قال ذلك على سبيل الاستهزاء ، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر ، وكذا القول في قولهم : * ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) * ( آل عمران : 181 ) . المسألة الثانية : أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة